يروى أن بطة كانت تتباهى بذكائها وقوتها وسطوتها على جيرانها من مختلف الأجناس. وكانت هذه البطة، بحكم ارتمائها في احضان القرد العجوز، تفوز بكل المبارزات التى يكون فيها القرد حكما

وذات يوم صادف أن عاد الغول المرعب ليخوض المبارزات. كان الغول يعلم مسبقا أن القرد العجوز يتحايل على قوانين اللعبة ليمنح الفوز إما لمن يدفع أكثر أو لمدللته البطة

نجح القرد العجوز في إيصال بطته المدللة إلى نهائي المبارزات. وليؤمن لها الفوز، عين حكمين من فصيلة الخنافس لعلمه بجبنها وخوفها من بطشه وسطوته. وبذلك اعتقد أنه هيأ كل ممهدات الفوز لبطته القبيحة الفعل. ولكنه لم يكن يعلم أن الغول جبار لا يقهر وأنه مخيف لدرجة أن لا أحد يجرؤ على مغالبته

وجاء اليوم الموعود .. فلم يكن من الغول إلا أن اذل البطة في عقر دارها وجعل منها أضحوكة القاصي والداني. فلما كانت مبارزة الرد .. خافت البطة مزيدا من الإذلال فهربت مذعورة لتحتمي بعشيقها القرد العجوز وتصرخ طلبا للنجدة

ولما كان القرد العجوز قد رأى بطش الغول، قرر أن يمكر به ويكيد له بليل. فجمع بطانته تحت عمود النور الأكبر وخطب فيهم أن المبارزة لم تكن عادلة وان الغول كان يحضى بدعم عشيرته المخيفة. وانبرى ينظر للعدالة والنزاهة. واستقر رأيه أن تعاد المبارزة في مزرعة محايدة يمتلكها هو

ويال سعادة البطة بهذا الرأي. فقد طفقت تجوب البراري وتصرخ في كل بر أن المبارزة ستعاد. ثم اخذها غرورها الى بهتان مبين. فلما رأته من ميل القرد العجوز لمفاتنها، ارتأت أن تطلب اكثر. إن تطلب الفوز دون إعادة المبارزة. وزين لها ذلك جوقة من الحمير المطبلين راقتهم مفاتنها وأسالت لعابهم. فانطلقت حناجرهم في هذيان محموم أن القانون لهم وان الغول سيسقط بموجب قرارات القرد الأكبر .. صاحب الحل والعقد

إلا أن الغول، بما خبره من تجربة في صراع الحياة .. سير الأمر إلى لجنة من العقلاء وسألهم الرأي والفصل. هنا أقر الحمير المطبلون أن البطة ربحت مسبقا. فزعيم مزرعة العقلاء صديق حميم للقرد العجوز. وانبرى بعض الحمير من مزارع أخرى (يفترض فيها النزاهة والحياد) في حشد الدعم والصراخ في كل منبر أن الغول مذنب يستحق العقاب الأكبر. كان هذا انفجارا تجاه غول اذل كبارهم وكسر كبريائهم ومرغ انوفهم في الوحل

ويوم الفصل، كانت الصفعة الاولى. فقد أقر العقلاء أن أمر المنازلة ليس من شأن القرد العجوز وبطانته. واستقر بهم الرأي أن لجنة أخرى من أهل المزرعة هي الجديرة بالرأي. ثم إن هؤلاء العقلاء دخلوا في نوبة هستيرية من الضحك أسالت دموعهم ولعابهم. فقد هالهم ما تلتمسه البطة القبيحة. « يال هذا ! » قال أحدهم. ايبلغ الحمق بأهله كل هذا الحد ؟ أتهرببن من النزال ثم تطلببن الفوز ؟ أي وقاحة هذه ؟ بل أي صفاقة ؟ بل أي غباء ؟
ثم إن القرد العجوز .. الذي اغتاظ من هول الصفعة أقر العزم أن يردها على الغول. فانبرى يجوب البراري ويحشد الدعم في أهل مزرعته علهم ينصرونه على هذا الغول المتمرد

وقد كان في أهل المزرعة من تلك اللجنة ثعلب عجوز يشهد له الكل بالحكمة والدهاء ويعلم الخاصة والعامة أنه ليس من بطانة القرد العجوز. وكان وجود هذا الثعلب حصنا منيعا رد القرد العجوز على عقبيه خائبا. ثم خرج في الجمع المحتشد فقال : أن البطة هربت خوفا ولم يكن لها من عذر سوى الجبن وقلة الحيلة، وان الغول كان نزيها وبارز بما يرتضيه قانون النزال وأنه البطل لاجدال

هنا هرب القرد العجوز ليحتمي بشجرة عالية وترك بطته المدللة وحيدة تندب حظها وسط ضحك كل من علم بالامر

ثم إن البطة، حتى تدرأ عن نفسها الجبن وقلة الحيلة ادعت أنها كانت ضحية الجميع. ضحية القرد العجوز الذي اوهمها ثم أخلف وعده بعدما نال منها وطره، وضحية الحمير المطبلين الذين زينوا لها سوء رأيها وضحية اهلها الذين نفخوا في صورتها وأخيراً ضحية العقلاء الذين اختاروا جانب الغول حبا فيه لا حبا في العقل. ولم يبق الى جانب البطة الا حمار المزرعة الأخرى يندب حظه وحظها الذي اوقعهما في مواجهة الغول

والعبرة من هذه القصة أيها الأحبة أنه
لكل داء دواء يستطب به
إلا الحماقة اعيت من يداويها

ملحوظة : كل تشابه بين احداث هذه القصة واحداث واقعية أخرى ليس من محض الصدفة

PARTAGER